الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
279
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وكانوا أيضا معجبين بقوة أمتهم وقالوا : مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [ فصلت : 15 ] فلذلك جعل اللّه لهم جزاء على ترك الشرك زيادة قوتهم بكثرة العدد وصحة الأجسام وسعة الأرزاق ، لأن كلّ ذلك قوة للأمة يجعلها في غنى عن الأمم الأخرى وقادرة على حفظ استقلالها ويجعل أمما كثيرة تحتاج إليها . و إِلى قُوَّتِكُمْ متعلق ب يَزِدْكُمْ . وإنما عدّي ب إِلى لتضمينه معنى يضم . وهذا وعد لهم بصلاح الحال في الدنيا - رضي اللّه عنهم - . وعطف عليه وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ تحذيرا من الرجوع إلى الشرك . والتولّي : الانصراف . وهو هنا مجاز عن الإعراض . و مُجْرِمِينَ حال من ضمير تَتَوَلَّوْا أي متصفين بالإجرام ، وهو الإعراض عن قبول أمر اللّه تعالى . [ 53 - 56 ] [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 53 إلى 56 ] قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ( 53 ) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 54 ) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ( 55 ) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 56 ) قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ( 53 ) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ . محاورة منهم لهود - عليه السّلام - بجواب عن دعوته ، ولذلك جردت الجملة عن العاطف . وافتتاح كلامهم بالنداء يشير إلى الاهتمام بما سيقولونه ، وأنه جدير بأن يتنبه له لأنهم نزلوه منزلة البعيد لغفلته فنادوه ، فهو مستعمل في معناه الكنائيّ أيضا . وقد يكون مرادا منه مع ذلك توبيخه ولومه فيكون كناية ثانية ، أو استعمال النّداء في حقيقته ومجازه . وقولهم : ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ بهتان لأنه أتاهم بمعجزات لقوله تعالى : وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ [ هود : 59 ] وإن كان القرآن لم يذكر آية معينة لهود - عليه السّلام - . ولعل آيته أنّه وعدهم عند بعثته بوفرة الأرزاق والأولاد واطّراد الخصب وفرة مطردة لا تنالهم في خلالها نكبة ولا مصيبة بحيث كانت خارقة لعادة النعمة في الأمم ، كما يشير إليه